مشاهدة النسخة كاملة : طول الأمل


أميرة بكلمتي
02-09-2013, 03:26 AM
طـــــــــــــول الأمـــــــــــــل

قال تعالى: ﴿ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ (سورة الحجر، الآية 1-5).
يهتم الكفار عادة بالماديات، فتراهم منغمسين في الشهوات والأهواء واللذات، معتمدين على الآمال المعسولة، مغترّين بالأماني الزائفة، منشغلين بالدنيا عن الطاعة والعمل للآخرة، وقد هددهم اللّه بتركهم في مآكلهم ومتعهم، وحذرهم من عاقبة صنيعهم.
والآية تدل على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من شأن أخلاق المؤمنين.
وورد في السنة النبوية أحاديث كثيرة في ذم الأمل مطلقا، منها ما رواه أحمد والشيخان والنسائي عن أنس -رضي اللّه عنه- عن النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- قال: ) يهرم ابن آدم ويبقى معه اثنتان: الحرص والأمل (.
وفي مسند البزار عن أنس قال: قال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: ) أربعة من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا (.
وروى أحمد والطبراني والبيهقي عن عمرو بن شعيب مرفوعا قال: ) صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل (.
قصر الأمل والاستعداد للموت:
خطب علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بالكوفة فقال: "أيها الناس، إن أخوف ما أخاف عليكم طول الأمل واتباع الهوى؛ فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق؛ ألا إن الدنيا قد ولت مدبرة والآخرة مقبلة، ولكل واحد منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل".
قال سفيان: الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ ولا لبس العباء.
قال فضيل بن عياض: ما أطال رجل الأمل إلا أساء العمل.
قال محمد بن غالب تمتام: كتب إبراهيم بن أدهم إلى سفيان الثوري: من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، ومن أطلق بصره طال أسفه، ومن أطلق أمله ساء عمله، ومن أطلق لسانه قتل نفسه.
قال معروف الكرخي: أعوذ بك من أمل يمنع العمل.
قال مالك بن دينار: أربع من عَلَمِ الشقاء: قسوة القلب، وجمود العين، وطول الأمل، والحرص على الدنيا.
دوافع طول الأمل:
قال الإمام الغزاليّ -رحمه اللّه-: اعلم أنّ طول الأمل له سببان، أحدهما: الجهل، والآخر: حبّ الدنيا.
أمّا حبّ الدّنيا: فهو أنّه إذا أنس بها وبشهواتها ولذّاتها وعلائقها، ثقل على قلبه مفارقتها، فامتنع قلبه من الفكر في الموت الّذي هو سبب مفارقتها، وكلّ من كره شيئا دفعه عن نفسه، والإنسان مشغوف بالأمانيّ الباطلة، فيمنّي نفسه أبدًا بما يوافق مراده، وإنّما يوافق مراده البقاء في الدّنيا، فلا يزال يتوهمّه ويقدّره في نفسه ويقدّر توابع البقاء وما يحتاج إليه من مال وأهل ودار وأصدقاء ودوابّ وسائر أسباب الدّنيا، فيصير قلبه عاكفًا على هذا الفكر موقوفًا عليه، فيلهو عن ذكر الموت فلا يقدّر قربه، فإن خطر له في بعض الأحوال أمر الموت والحاجة إلى الاستعداد له، سوّف ووعد نفسه وقال: الأيّام بين يديك إلى أن تكبر ثمّ تتوب، وإذا كبر فيقول: إلى أن تصير شيخا. فإذا صار شيخا قال: إلى أن تفرغ من بناء هذه الدّار وعمارة هذه الضّيعة، أو ترجع من هذه السّفرة، أو تفرغ من تدبير هذا الولد وجهازه وتدبير مسكن له، أو تفرغ من قهر هذا العدوّ الّذي يشمت بك. فلا يزال يسوّف ويؤخّر، ولا يخوض في شغل إلّا ويتعلّق بإتمام ذلك الشّغل عشرة أشغال أخر، وهكذا على التّدريج يؤخّر يوما بعد يوم، ويفضي به شغل إلى شغل، بل إلى أشغال، إلى أن تختطفه المنيّة في وقت لم يحسبه، فتطول عند ذلك حسرته، وأكثر أهل النّار وصياحهم من سوّف، يقولون: واحزناه من سوف. والمسوّف المسكين لا يدري أنّ الّذي يدعوه إلى التّسويف اليوم هو معه غدًا، وإنّما يزداد بطول المدّة قوّة ورسوخًا، ويظنّ أنّه يتصوّر أن يكون للخائض في الدّنيا والحافظ لها فراغ قطّ، وهيهات! فما يفرغ منها إلّا من طرحها. فما قضى أحد منها لبانته، وما انتهى أرب إلّا إلى أرب.
وأصل هذه الأماني كلّها حبّ الدّنيا والأنس بها والغفلة عن معنى قوله -صلّى اللّه عليه وسلّم-: ) أحبب من أحببت فإنّك مفارقه (.
وأمّا الجهل: فهو أنّ الإنسان قد يعوّل على شبابه، فيستبعد قرب الموت مع الشّباب، وليس يتفكّر المسكين أنّ مشايخ بلده لو عدّوا فكانوا أقلّ من عشر رجال البلد، وإنّما قلّوا لأنّ الموت في الشّباب أكثر، فإلى أن يموت شيخ يموت ألف صبيّ وشابّ. وقد يستبعد الموت لصحّته ويستبعد الموت فجأة، ولا يدري أنّ ذلك غير بعيد، وإن كان ذلك بعيدا، فالمرض فجأة غير بعيد، وكلّ مرض فإنّما يقع فجأة، وإذا مرض لم يكن الموت بعيدًا. ولو تفكّر هذا الغافل وعلم أنّ الموت ليس له وقت مخصوص من شباب وشيب وكهولة، ومن صيف وشتاء وخريف وربيع، من ليل ونهار، لعظم استشعاره واشتغل بالاستعداد له، ولكنّ الجهل بهذه الأمور وحبّ الدّنيا دعواه إلى طول الأمل، وإلى الغفلة عن تقدير الموت القريب، فهو أبدًا يظنّ أنّ الموت يكون بين يديه ولا يقدّر نزوله به ووقوعه فيه، وهو أبدًا يظنّ أنّه يشيّع الجنائز ولا يقدّر أن تشيّع جنازته، لأنّ هذا قد تكرّر عليه وألفه وهو مشاهدة موت غيره، فأمّا موت نفسه فلم يألفه، ولم يتصوّر أن يألفه فإنّه لم يقع، وإذا وقع في دفعة أخرى بعد هذه، فهو الأوّل وهو الآخر.
علاج طول الأمل:
وسبيله أن يقيس نفسه بغيره، ويعلم أنّه لا بدّ وأن تحمل جنازته ويدفن في قبره، ولعلّ اللّبن الّذي يغطَّى به لحده قد ضرب وفرغ منه وهو لا يدري، فتسويفه جهل محض. وإذا عرفت أنّ سببه الجهل وحبّ الدّنيا فعلاجه دفع سببه.
أمّا الجهل فيدفع بالفكر الصّافي والحكمة البالغة.
وأمّا حبّ الدّنيا، فالعلاج في إخراجه من القلب شديد وهو الداء العضال الّذي أعيا الأوّلين والآخرين علاجه؛ ولا علاج له إلّا الإيمان باليوم الآخر وبما فيه من عظيم العقاب وجزيل الثّواب، ومهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حبّ الدّنيا، فإنّ حبّ الخطير هو الّذي يمحو عن القلب حبّ الحقير، فإذا رأى حقارة الدّنيا ونفاسة الآخرة، استنكف أن يلتفت إلى الدّنيا كلّها وإن أعطي ملك الأرض من المشرق إلى المغرب، وكيف وليس عنده من الدّنيا إلّا قدر يسير مكدّر منغّص؟! فكيف يفرح بها أو يترسّخ في القلب حبّها مع الإيمان بالآخرة؟!
فنسأل اللّه تعالى أن يرينا الدّنيا كما أراها الصّالحين من عباده.
بيان مراتب الناس في طول الأمل وقصره:
اعلم أنّ النّاس في ذلك يتفاوتون؛ فمنهم من يأمل البقاء، ويشتهي ذلك أبدا، قال اللّه تعالى: ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ (سورة البقرة، الآية 96).
ومنهم من يأمل البقاء إلى الهرم وهو أقصى العمر الّذي شاهده ورآه، وهو الّذي يحبّ الدّنيا حبًّا شديدًا. قال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: ) قلب الشّيخ شاب على حبّ اثنتين: طول الحياة وحبّ المال (.
ومنهم من يأمل إلى سنة فلا يشتغل بتدبير ما وراءها، فلا يقدّر لنفسه وجودًا في عام قابل، ولكنّ هذا يستعدّ في الصّيف للشّتاء، وفي الشتاء للصّيف، فإذا جمع ما يكفيه لسنته اشتغل بالعبادة.
ومنهم من يأمل مدّة الصّيف أو الشّتاء، فلا يدّخر في الصّيف ثياب الشّتاء ولا في الشّتاء ثياب الصّيف.
ومنهم من يرجع أمله إلى يوم وليلة، فلا يستعدّ إلّا لنهاره، وأمّا للغد فلا. قال عيسى -عليه السّلام-: لا تهتمّوا برزق غد؛ فإن يكن غد من آجالكم فستأتي فيه أرزاقكم مع آجالكم، وإن لم يكن من آجالكم فلا تهتمّوا لآجال غيركم.
سقال الأبشيهيّ:
أيا من عاش في الدّنيا طويلاوأفنى العمر في قيل وقالوأتعب نفسه فيما سيفنىوجمع من حرام أو حلالهب الدّنيا تقاد إليك عفواأليس مصير ذلك للزّوال
من مضار (طول الأمل):
(1) نسيان الآخرة وما أعدّ اللّه فيها من النّعيم المقيم لأهل طاعته، ومن العذاب الأليم لأهل المعاصي.
(2) قلّة الصّبر عن الشّهوات، وشدّة الغفلة عن الطّاعات.
(3) إنّ طول الأمل يجلب السّعادة الظّاهرة في الدّنيا، ويسقي صاحبه كؤوسا مترعة من اللّذّة الفانية.
(4) يقسي القلب ويجفّ دمع العين، ويزيد في شدّة الحرص على الدّنيا.
(5) يدفع إلى المعاصي، ويبعد عن الطّاعات.
(6) به يتعدّى على الآخرين فيسلب الحقوق، وينتهك الحرمات.
طول الأمل ينسي الآخرة، واتباع الهوى يصدك عن الحق.
فإذن يصير فكرك في حديث الدنيا وأسباب العيش في صحبة الخلق نحوها فيقسو القلب، فبسبب طول الأمل:
1- تقل الطاعة.
2- وتتأخر التوبة.
3- وتكثر المعصية.
4- ويشتد الحرص.
5- ويقسو القلب.
6- وتعظم الغفلة.
وإنما رقة القلب وصفوته تكون:
1- بذكر الموت ومفاجأته.
2- والقبر.
3- والثواب والعقاب.
4- وأحوال الآخرة.
قال اللّه تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾ (سورة الإسراء، الآية (13).
المراجع:
• التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج لوهبة الزحيلي.
• الجوهر النقي من زهد البيهقي لمحمد سلامة.
• إحياء علوم الدين للغزالي.
• هادم اللذات لأبي إسلام بن علي.
• نضرة النعيم بإشراف صالح بن حميد وعبد الرحمن بن ملوح.

كلام العين
02-09-2013, 03:45 AM
اللهم لاتجعل الدنيا اكبر همنا ولامبلغ علمنا..
بارك الله فطرحك القيم
واثابك البارى خير ثواب..

منصور
02-09-2013, 03:46 AM
ملكة الأحساس
جزاك المولى كل خير
وجعله في موازين اعمالك
طرح رائع ومفيد جداً
لاحرمنا الله من إطروحاتك الرائعة
التي تروق لنا بمحتواها الجميل
دمتي بحفظ الله

نبض القلوب
02-09-2013, 04:22 AM
http://files2.fatakat.com/2011/7/13100144191815.gif
●●●
جزاك المولى خير جزاء
وجعله في موازين حسناتك
بنتظار روعة طرحك
لـ روحك الجوري

●●●
http://files2.fatakat.com/2011/7/13100144191815.gif

ذكريات
02-11-2013, 04:11 AM
جزاك الله خير الجزاء
جعله الله في ميزان حسناتك
وانار قلبك بالايمان
ورزقك الفردوس الاعلى من الجنه

أميرة بكلمتي
02-20-2013, 04:11 AM
الله يجزاكم الجنة جميعاً
أشكركم على تفاعلكم
طبتم وطاب مسعاكم

فاتنة بعشقي
02-24-2013, 07:18 AM
جَزآكـ الله جَنةٌ عَرضُهآ آلسَموآتَ وَ الآرضْ

بآرَكـَ الله فيكـِ عَ آلمَوضوعْ

آسْآل الله آنْ يعَطرْ آيآمكـِ بآلريآحينْ

دمْتي بـِ طآعَة الله ..}

الوعد الصادق
02-24-2013, 07:34 PM
أنَّ أصفىَ وارق ما لديَّ بوحاً كيْ أبوحَ بهِ .
أنْ أشيدَ بك
وأنّ أصدَقَ تعبيرٍ أدلفُ بهِ ،
أنْه حُق ليْ شرفاً بأنْ أقدمَ كلَّ مَا أستطيعَ تقديمهِ
من الشكر والتقدير.. سمو اعظم ... لسموك

اسوار الجنه
02-24-2013, 07:40 PM
http://imagecache.te3p.com/imgcache/1e214830feddf34de0ae5f4fa5a6bc39.gif